عماد الدين الكاتب الأصبهاني

21

خريدة القصر وجريدة العصر

شأنها شأن البصرة أو تزيد ، وتعرّف العماد حينئذ إلى عدد كبير من الشعراء والأدباء ؛ وقد سجّل شعرهم ونثرهم وترجم لهم في القسم العراقي من كتابه الخريدة ؛ كما وردت بعض الإشارات في قسم بلاد فارس خاصة فيما يتعلق ببعض الأدباء الذين روى عنهم العماد . وظلّ العماد في منصبه هذا حتى توفي صاحب نعمته الوزير ، وبالتالي فقد وجد من حسّاده وخصومه الكثير وليس له من يقف وراءه ويدعمه في ظلّ هذه السياسة المتقلبة : فترك بغداد ورحل إلى دمشق فدخلها في شعبان سنة اثنتين وستين وخمس مائة . وكان في دمشق نور الدين محمود بن أتابك فاستقبله استقبالا حافلا ؛ وعرّفه هذا إلى أعيان العصر ؛ فأنزله قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهرزوري بالمدرسة النورية الشافعية المنسوبة إلى نور الدين محمود التي عرفت فيما بعد بالعمادية ؛ وقد وجد العماد نفسه محاطا بأعلام عصره وأعيانه ولم يكن العماد وحيدا في دمشق فقد كان على معرفة قديمة بنجم الدين أيوب مذ كان حاكما على تكريت ؛ وكان هذا صديقا لعمه عزيز الدين فما أن سمع به نجم الدين حتى سارع إلى زيارته وتكريمه وتبجيله والسلام عليه وعرّفه إلى ولده صلاح الدين فقام العماد بردّ الزيارة وردّ هذا الجميل فمدحه بقصيدة مطلعها : يوم النّوى ليس من عمري بمحسوب * ولا الفراق إلى عيشي بمنسوب وهي قصيدة طويلة ؛ شكره فيها نجم الدين وقدّمه إلى أعيان دمشق ورجال الدولة وأصبح شخصيته مرموقة يوقّره الكبير والصغير ؛ ويحضر مجالسه العلماء والوزراء وكان ابن الشهرزوري يحضر هذه المجالس ويستمع إلى محاضراته . وهكذا عاش العماد في دمشق في ظلّ سيادة الأيّوبيين على بلاد الشام ومصر ؛ وحينما رحل نجم الدين بقيت علاقته وطيدة بولده صلاح الدين وشهد معه جميع غزواته وحروبه ؛ ورحل معه إلى مصر ؛ وهناك حضر بعض دروس أبي الطاهر السّلفي أحمد بن محمد بن سلفة الأصفهاني المقيم بثغر الإسكندرية . وكان صلاح الدين هو الآخر يحضر دروسه مع أخيه ، وكان مجلس السّلفي يتردد عليه الوافدون من المشرق والأندلس ؛ لكن دوام الحال من المحال فشهد معه معاركه التي خاضها مع الصليبيين بعد أن ترك القاهرة وعاد إلى بلاد الشام خاصة في حمص وبعض مدن الشام ؛ ثم يعود العماد